المقال

الترجمة العلمية و تحدي المصطلحات

سفيان مداني      

تبقى الترجمة العلمية و التقنية إلى العربية مهمة معقدة و صعبة مقارنة بالترجمة إلى اللغات الأخرى الأكثر استعمالاً، مثل الإنجليزية و الفرنسية. فاللغة تحيى باستعمالها و بقوة أفكار مستعمليها و إبداعهم، و هذا غائب في الدول العربية بنسب مختلفة و متفاوتة لأسباب تاريخية و سياسية تخص كل دولة عربية. فمن المستحيل للمترجم العربي أن يبتكر مصطلحات عند ترجمته لنصوص تقنية وعلمية جد متخصصة و في مجالات سريعة و كثيرة التطور، ومن غير الممكن لهذا المترجم أن يأتي بمصطلحات عربية تسمح للقارئ العربي التعرف على هذه الابتكارات العلمية و وضعه في الصورة و تعريب المفاهيم و المجالات العلمية برمتها بجهد فردي. فالتعريب واستعمال اللغة العربية في كل المجالات يستدعيان عملا جبارًا و تنظيمًا كبيرًا و إرادة حقيقية من الدول العربية و شعوبها لتعميم استعمال اللغة العربية و النهوض بحضارتهم.

دور مجامع اللغة العربية

إن لأغلب الدول العربية مجامع للغة العربية حيث يكمن دور هذه المجامع في دعم اللغة وتطويرها وتمكين تعميم استعمالها بإنجاز بحوث ووضع مناهج لعملية تعريب كل المجالات العلمية و توحيد المصطلحات المتفق عليها. فهذه المجامع تضم، على الأقل من الناحية النظرية، فقهاء اللغة العربية و نخبة من المترجمين و المختصين في التعريب و المصطلحات و مهمتهم هي اقتراح كل المصطلحات التقنية والعلمية الجديدة على لجنة من ذوي الاختصاص تضم متخصصين في اللغة ومجموعة من أهل العلم و المجال تتميّز بدرجة عالية في إتقان اللغة العربية. إن فعالية هذه المجامع تختلف من دولة عربية إلى أخرى، فالبعض منها يؤدي جهدًا بسيطًا يسمح بإضافة مجموعة من المصطلحات سنويًا، لأن عملية التعريب بطيئة و تستغرق وقتًا طويلا بسبب البحوث و المشاورات و البيروقراطية في بعض الأحيان. فمن الطبيعي إن لم يكن هناك إمكانيات كبيرة و محفزات و محاسبة لن يمكن لهذه المجامع أن تواكب التطور السريع للعلم و التقنية. من جانب آخر فاللغة لا تتطور بالتعريب فقط، فمن الواجب أن يثريها أهلها بمنتوج علمي و ثقافي معتبر، فأمة بدون ثقافة و أفكار محكوم عليها بالانقراض. و للأسف هذا هو حال العرب في أيامنا هذه، فالدول العربية مسيّرة من طرف أنظمة ريعية تعتمد أساسًا على ثرواتها الطبيعية، حكوماتها فاسدة لاتهمها لا الثقافة و لا حتى مستقبلها الاقتصادي. و في العديد من هذه الدول، اللغة العربية ما هي إلا وسيلة سياسية تُستعمل لتنويم الشعب و رفع شعارات فارغة جعلت المواطن العربي يكره لغته و يبتعد عن ثقافته وعن انتمائه للأمة العربية. ففي هذه الدول المجامع ما هي إلا مؤسسات حكومية تضم موظفين فاسدين لا يفقهون اللغة و لا يفهمون شيئًا في العلوم فهم يتقاضون أجورهم لإعلان ولائهم للسلطة الحاكمة و ليس لترقية اللغة العربية.

المجتمعات العربية و الاستعمال المتزايد للعامية

تتخبط العديد من الدول العربية في مشاكل الهوية و الثقافة و تعدد اللهجات، أضف إلى ذلك المشاكل الاقتصادية و سوء التسيير وهذا يعيق تطور اللغة العربية و يمنعها من الرقي و الانفتاح في غياب الكتّاب و النخبة و المثقفين. فمن المستحيل أن تتطور اللغة العربية في مناخ تسوده الرداءة و الجهل. أصبحت المجتمعات في هذه الدول تهتم باللغات الأجنبية أكثر من السابق و السبب بسيط: غياب المنشآت التعليمية الفعالة وآفاق مستقبلية للمتعلمين باللغة العربية، فهذا يجعل مستقبل المتعلمين باللغة العربية مرهونًا كليًا لأن اقتصادات هذه الدول شبه عديمة فهي لا تنتج لا المواد و لا الخدمات و تستورد تقريبًا كل شيء. أصبحت نظرة هذه المجتمعات للغة العربية سيّئة للغاية و ابتعد عنها كل المثقفين الذين يفّضلون تعليم أبنائهم الفرنسية أو الإنجليزية لإعطائهم الفرصة لمواصلة الدراسة في جامعات حقيقية و ليس في جامعات لا تقدم أي علم للطلبة. و مال أفراد المجتمع إلى العامية التي أصبحت تستعمل في القنوات التلفزيونية و في الفن و تمّ التخلي عن العربية بصفة واضحة. في الحقيقة، لا يوجد عيّب في استعمال العامية بين الأفراد، و لكن اللهجات ليس لها قواعد و لا يمكن الاعتماد عليها في التعليم و المشاريع الحضارية. و الغريب في الأمر ربما ينتظر العرب شعوبًا أخرى تُطوّر لهم اللغة العربية، فهم تعوّدوا على عدم بذل أي مجهود حتى و إن تعلق الأمر بلغتهم. للأسف فأغلب التكنولوجيات المعلوماتية التي تسمح باستعمال اللغة العربية مع الحاسوب و الأجهزة الإلكترونية ليست من ابتكار و صنع عربيين.

دور المراجع و الوسائل الالكترونية في توحيد المصطلحات

إن المراجع هي أهم الأدوات التي يستعين بها المترجم في عمله لأنه من المستحيل أن يلّم بكل مجالات الحياة و خاصة حين يتعلق الأمر بالميادين المتخصصة و العلمية، فلابد أن يكون باستطاعته البحث عن هذه المصطلحات و التأكد من صحتها في السياق الذي يعمل فيه. تُمثل القواميس، أحادية و ثنائية اللغة، إحدى المراجع المستعملة، لكنها تُغطي المسائل اللغوية فقط، فالمصطلحات التقنية و العلمية موجودة غالبًا في المعاجم المتخصصة و في المسارد المصطلحية الإلكترونية أو في النصوص الإلكترونية المدوّنة التي تحفظ في قواعد بيانات يمكن للمترجم أن يستغلّها في أي وقت. فهذه المراجع المتخصصة موجودة بوفرة بالنسبة للمترجمين الذين يترجمون إلى اللغات الأكثر استعمالاً مثل الإنجليزية و الفرنسية و الألمانية و الإسبانية، لكنها فقيرة و نادرة بالنسبة للغة العربية. من المهم أن نشير أن إنشاء هذه المصطلحات و توحيدها و توفيرها للمستعمل العربي هو دور المجامع العربية التي لابد أن تقدم منتوجًا موحدًا يسمح للمترجمين عبر كل الأقطار العربية بتقديم نصوص متجانسة تحوي نفس المصطلحات وأسلوبًا متشابهًا.

دور القنوات الفضائية في تحفيز البحث في مجال المصطلحات

إن للقنوات الفضائية دورًا كبيرًا في التحفيز على البحث عن المصطلحات الجديدة في المجالات التقنية و العلمية حيث تتطرق هذه القنوات سواء في برامجها الإخبارية أو في الأشرطة الوثائقية كانت أصلية أم مدبلجة إلى العديد من الموضوعات العلمية و التقنية الحديثة التي تتطلب مجهودًا كبيرًا لشرحها بكلمات و مصطلحات عربية. فمن الصعب أن يُقدم هذا العمل دون أخطاء أو بمقترحات مصطلحية يقبلها الجميع، ولكن هذه المحاولة في ذاتها محفز لبذل المزيد من الجهد لإيجاد مصطلحات مناسبة. ومن الطبيعي أن تقوم مجامع اللغة العربية بالاتفاق بشأن هذه المصطلحات وتوحيدها للسماح لهذه القنوات باستعمال مصطلحات موَحدة.

الخاتمة

يكمن مشكل المصطلحات الذي يواجهه المترجم العربي في فشل السياسات العربية في توحيد مجهودها للعمل سويًا للاتفاق بشأن كل مصطلح علمي جديد يُقترح. من المهم وضع مناهج فعالة وتنصيب لغويين أكفاء للقيام بهذا العمل. على المجتمع أن يؤدي دوره في تدعيم و تشجيع كل مبادرة بناءة للنهوض باللغة و الحضارة العربيتين. من الممكن تدارك الوضع لأن اللغة العربية ليست للآداب فقط فقد كان لها تاريخ في العلوم في عصورها الذهبية، لكن الأمر الآن يختلف، فلن تحيى اللغة العربية مجددًا إلا بمستعمليها الشباب. إذن فإنه من الهم جدًا وضع الثقة في الشباب لبعث ثورة جديدة في هذه اللغة تجعلها تتجدد و تواكب عصرها و تبتعد عن اندثارها.

مقالات أخرى    

أهمية بنوك المصطلحات

اللغة الطبيعية بين ترجمة المصطلحات والتأويل

المترجم الحر و مواجهة الأسعار المنخفضة